عبد الملك الجويني

121

نهاية المطلب في دراية المذهب

فهذه مسائل تهذب الأصول وتنبه على مجال النظر والتأمل ، ولم يبق من الفصل إلا النظر فيما يكون إكراهاً ، وقد مضى القول البالغ فيه . 10377 - والذي ذكره الأصحاب هاهنا : أن أمر السلطان هل يكون إكراهاً أم لا ؟ فعلى وجهين . وهذا الخلاف مشهور ، وفيه مباحثة ، وهي أن السلطان إذا أمر بقتل إنسان ، وكان المأمور لا يعلم كونَ السلطان مبطلاً ؛ فإذا قتل ، فلا يتعلق به ضمان أصلاً ، ورأيت مشايخ المذهب مطبقين على هذا ، وإن كان الجلاد يجد محيصاً [ عن إنفاذ أمره ، ولم يكن محمولاً بهذا على القتل ] ( 1 ) ، والسبب فيه أنا لو علقنا الضمان بالجلاد ، لما انتظمت السياسات ، ولخاف كل من يتعاطى القتل مغبةَ الأمور . هذا إذا قَتَل وهو لا يدري كونَ الإمام مبطلاً . فأما إذا علم أن الإمام مبطل ، فعند ذلك ذكر الأصحاب خلافاً في أن أمر السلطان هل يكون إكراهاً أم لا ؟ وهذا فيه نظر ؛ فإن كان أمره بحيث لو لم يمتثل ، لظهر الخوف [ من إهلاكه ، فهذا إكراه ] ( 2 ) في الحقيقة . وإن لم يظهر ذلك في الظن ، فلست أرى للخلاف في أن الأمر هل يكون إكراهاً وجهاً أصلاً ، ولكن الكتب مشحونة بذكر الوجهين في أن أمر السلطان بمجرده هل يكون إكراهاً ؟ فلست أرى له اتجاهاً إلا من جهةٍ واحدة ، وهو أنه [ إن ] ( 3 ) كان يسطو بمن يخالفه [ واعتيد ] ( 4 ) ذلك منه ، [ ولا ] ( 5 ) يبلغ توقع ذلك مبلغ توقع المخوف لو صرح بالتوعد به ، فليقع تنزيل الخلاف على هذا الوجه ، والفرض فيه إذا علم كونَ القتل باطلاً ، وكان يظن سطوته لو خولف ، فهذا هل يكون كما لو توعد ؟ هذا وجه في تنزيل الوجهين . وقد أشار بعض الأصحاب إلى مسلك آخر وهو أن المأمور وإن كان يعتقد كونَه مبطلاً ، فقد لا يكون كذلك ؛ فإنه لا يطلع على حقيقة كونه مبطلاً ، ثم نعرض الأمرين

--> ( 1 ) في الأصل : " عن إمساك أمره ، ولم يكن محمولاً فهذا القتل " والمثبت من عمل المحقق . ( 2 ) في الأصل : " في إهلاكه مخالفة ، فهذا إكراه " . ( 3 ) في الأصل : " وإن " . ( 4 ) في الأصل : " فاعتيد " . ( 5 ) في الأصل : " فلا " .